الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
56
تفسير روح البيان
بعضه حلالا اى حكمتم بحله مع كون كله حلالا . والمعنى أي شئ انزل اللّه من رزق فبعضتموه والمقصود الإنكار لتجزئتهم الرزق وذلك قولهم هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ وقولهم ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام قُلْ لهم آللَّهُ [ آيا خدا ] أَذِنَ لَكُمْ في ذلك الجعل فأنتم فيه ممتثلون لأمره قائلون بالتحريم والتحليل بحكمه أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ في نسبة ذلك اليه وفي الكواشي هذه الآية من أبلغ الزواجر عن التجوز فيما يسأل عنه من الحكم وباعثة على الاحتياط فيه ومن لم يحتط في الحكم فهو مفتر انتهى قال على كرم اللّه وجهه « من أفتى الناس بغير علم لعنته السماء والأرض » وسألت بنت على البلخي أباها عن القيء إذا خرج إلى الحلق فقال يجب إعادة الوضوء فرأى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم فقال لا يا علي حتى يكون ملء الفم فقال علمت أن الفتوى تعرض على رسول اللّه فآليت على نفسي ان لا أفتى ابدا وفي الآية إشارة إلى أنه لا يجوز للمرء ان يعتقد ويقول إن الرزق المعنوي من الواردات الإلهية والشواهد الربانية حرام على أرباب النفوس وحلال على أصحاب القلوب وان تحصيل هذه السعادات ونيل هذه الكرامات ليس من شأننا وانما هو من شأن الأخيار الكبراء وخواص الأنبياء والأولياء فان هذا افتراء على اللّه فان اللّه تعالى ما خص قوما بالدعوة إلى الدرجات والمقامات العلية بل جعل الدعوة عامة لقوله وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وقوله يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ فتحريمه هذا الرزق على نفسه من خساسة نفسه وركاكة عقله ودناءة همته والا فاللّه تعالى لم يسد عليه هذا الباب بل هو الفياض الوهاب : قال الحافظ عاشق كه شد كه يار بخالش نظر نكرد * اى خواجة درد نيست وگر نه طبيب هست : وقال طالب لعل وكهر نيست وگر نه خورشيد * همچنان در عمل معدن وكانست كه بود : وفي المثنوى كر كران وكر شتابنده بود * عاقبت جوينده يابنده بود وفي الحكم العطائية وشرحها من استغرب ان ينقذه اللّه من شهوته التي اعتقلته عن الخيرات وان يخرجه من وجود غفلته التي شملته في جميع الحالات فقد استعجز القدرة الإلهية ومن استعجزها فقد كفر أو كاد ودليل ذلك ان اللّه تعالى يقول وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً أبان سبحانه ان قدرته شاملة صالحة لكل شئ وهذا أمس الأشياء وان أردت الاستعانة على تقوية رجائك في ذلك فانظر لحال من كان مثلي ثم أنقذه اللّه وخصه بعنايته كإبراهيم بن أدهم وفضيل بن عياض وعبد اللّه بن المبارك وذي النون ومالك بن دينار وغيرهم من مجرمى البداية وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ما استفهامية في محل الرفع على الابتداء وظن خبرها ومفعولاه محذوفان وزيادة الكذب مع أن الافتراء لا يكون الا كذبا لاظهار كمال قبح ما افتعلوا وكونه كذبا في اعتقادهم أيضا يَوْمَ الْقِيامَةِ ظرف لنفس الظن اى أي شئ ظنهم في ذلك اليوم يوم عرض الافعال والأقوال والمجازاة عليها مثقالا بمثقال والمراد تهويله